ثقافة فيلم "تأتون من بعيد" للمخرجة المصرية أمل رمسيس: على خطى المناضل الشيوعي الفلسطيني نجاتي صدقي وصفحات من ذاكرة الحروب والنزاعات والشتات
فتحت المخرجة المصرية أمل رمسيس في فيلمها الوثائقي "تأتون من بعيد" باب الذاكرة. ذاكرة الناشط الشيوعي الفلسطيني نجاتي صدقي (1905-1979) الذي عرف حياة متشعبة بحكم نضاله السياسي والصحفي الذي قاده الى فرنسا واسبانيا وبيروت فضلا عن الشتات الذي عرفته اسرته وقد عاشت ابنته دولت في روسيا بعد ان تم ايواؤها سنة 1936 -وعمرها آنذاك 6 سنوات- بأحد الملاجئ الروسية اثر سجن أبيها نجاتي وامها لوتكا في السجن بالقدس لمدة 3 سنوات. وكان نجاتي صدقي وزوجته لوتكا من نشطاء الحركة الشيوعية بفلسطين ومن الذين قاوموا النظام الملكي والانتداب البريطاني.

ومن خلال الذاكرة الفردية لنجاتي صدقي وعائلته، تستحضر المخرجة الذاكرة الجماعية تلك التي عاشت على وقعها عدة بلدان عربية وغربية في القرن العشرين، ذاكرة الحروب والتوترات والشتات والملاجئ والآلام المشتركة. فيلم دام تصويره قرابة العشر سنوات بما فيها من بحث وتقصي في الأرشيف لمشاهد من القدس في الثلاثينات ومن الحرب الأهلية الاسبانية (1936-1939) والحرب العالمية الثانية والنكبة وبدايات الحرب الأهلية اللبنانية.
قصة عائلة المناضل الشيوعي صدقي نجاتي قصة غريبة وفريدة في نفس الان، اكتشفتها المخرجة المصرية من باب الصدفة عندما اهتمت بموضوع المشاركة العربية في الحرب الاهلية الاسبانية، فاطلعت على مقالات الصحفي نجاتي الذي كان آنذاك يشغل مهمة المراسل الصحفي المكلف بتغطية الحرب الاسبانية لتعلم أنّ له بنتا تعيش في أثينا (هند) وأخرى في روسيا (دولت) وآخر في البرازيل (سعيد) ولتنطلق مغامرة هذا الفيلم الوثائقي الذي يمزج القصة الفردية بالتاريخ المشترك.
فمن فلسطين حيث كان صدقي نجاتي ناشطا شيوعيا ومطلوبا للعدالة الى باريس حيث كُلّف بإصدار مجلة عربية تناهض الاحتلال ومنها الى برشلونة حيث كان الصحفي الفلسطيني الذي انتصر للجمهوريين ضد الفاشية ومنها الى فلسطين ثم لبنان وصولا الى أثينا حيث توفي سنة 1979. وقد كتب صدقي مقالات انتقد فيها اتفاقية هتلر مع ستالين مما تسبب في فصله من الحزب الشيوعي.

في الفيلم تداخلت شهادات ابنتيه هند ودولت لتنقلا تفاصيل هامة من حياة اسرتهما. فتروي دولت مثلا أنه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وفي سنة 1946، حاول والدها صدقي نجاتي ان يعيدها، وكان عمرها 16 سنة، من روسيا الى فلسطين، فأرسل أوراقها الى القنصلية البريطانية ولكن الروس رفضوا.. ورغم القطيعة الجغرافية، لعبت الرسائل والصور دور الوصل بين دولت وعائلتها، وهي التي سمحت لها بالابقاء على شيء من هويتها الأولى، على هذه الرابطة العائلية التي مزقتها الحروب والمسافات. اما هند فيمكن اعتبارها الذاكرة الحية لوالدها بما انها رافقته طيلة حياته تقريبا.
تعيد أمل رمسيس في فيلمها تركيب بناء مهدوم، تتلقف اجزاءه في محاولة لاستعادة رسم تاريخي فيه من شهادات السيرة الذاتية ومن الأرشيف (صور وفيديو) ما يُسعفها لقصّ خراب الحروب واثرها على البشر، على من زُجّ بهم في السجون، على من ذاقوا الحرمان في الملاجئ، على من انتزعوا من أراضيهم ومن عوائلهم، على من رُمي بهم في اتون نزاعات وحرائق كبرى باسم الدوغمائيات الكاذبة والانتماءات الزائفة.. ومن بين الأفلام التي اعتمدتها المخرجة على سبيل المثال فيلم "الأمل" (1940) للفرنسي اندري مالرو الذي شارك بنفسه في الحرب الاهلية الاسبانية الى جانب الجمهوريين ضد الفاشيين.

تسمح السينما، وفي هذا الحال يسمح فيلم "تأتون من بعيد" الوثائقي باستحضار هذه الصفحات المنسية من التاريخ العربي والإنساني وهذه القصة الشخصية المتفردة لشاب شيوعي عربي آمن بالعدالة وبالحرية ودفع ثمن ذلك بالسجون وبالطرد وبالفرقة العائلية مثله مثل عدد من الوجوه اليسارية في العالم العربي التي عانت ويلات السجن والمنفى. تاريخ منسي ومسارات مهمشة كم هي بحاجة الى ان ترى النور في ظلمات الحاضر.
عُرض فيلم "تأتون من بعيد" على منصة "فيميو" مجانا وطيلة أسبوع خلال فترة الحجر الصحي، وقد سبق له ان حاز جائزة التانيت الفضي في المسابقة الرسمية للأفلام الوثائقية الطويلة في أيام قرطاج السينمائية 2018. وللمخرجة أمل رمسيس عدد من الأفلام على غرار «أحلام»، و«بيروت على شاطئ البحر» و«ممنوع» و«أثر الفراشة».
شيراز بن مراد